Home » Zenith تحتفل بمرور 50 عام على ولادة الأسطورة EL PRIMERO
ساعات

Zenith تحتفل بمرور 50 عام على ولادة الأسطورة EL PRIMERO

 

الغرض ليس أبداً وليد الصدفة، بل يمثّل نتاج حقبة. ينبع من تقاليد عصرٍ معيّن، لا بل يتوقّعها أحياناً. ولا يتخطّى مدى حياة الأشياء الناتجة عن استعمالات شائعة الحقبة التي نشأت فيها. من جهةً أخرى، يُحتمل أن تدوم الأشياء التي تمّ ابتكارها قبل أوانها. هذه هي حالة El Primero. تمّ إطلاق نظام الحركة El Primero في 10 يناير 1969 بعد سبعة أعوام كاملة من التحضير. فلننظر إلى ذكريات من الماضي…

 

 

في فجر ستينات العام الماضي، لم يعُد سياق صناعة الساعات ملائماً للكرونوغرافات اليدويّة التعبئة بالطريقة التي كانت تُصنع في تلك الفترة. ولم يعد العملاء يرغبون بتحريك التاج كلّ صباح لضمان معرفة الوقت بدقة، بعد أن اعتادوا على أنظمة حركة ذاتيّة التعبئة، ممّا يعنيأن كلّ ما كانوا بحاجة إليه لمعرفة الوقت الصحيح كان العيش والتحرّكوالعمل خلال ارتداء ساعتهم حول معصمهم. وكان تدوير التاج في هذه الفترة يُعدّ حركة بالية، في حين تحتاج الحداثة إلى فعاليّة أكبر.

تمّ استعمال كلمة “حداثة” كثيراً لدرجة أنّها فقدت معناها، لكنّها حملت في بدايات ستينات القرن الماضي الوعد بمستقبل مشرق وتوقّع الحريّة، حريّة كاملة ومنشودة حيث تلعب الأشياء دوراً مسهّلاًوموفّراً للوقت.

 

في ذلك الوقت، كانت التيّارات الفكريّة السائدة موروثة عن النزعة الإنسانيّة البروميثيانيّة. لم يعد الأفراد يرغبون بأن يتمّ تحديدهم من خلال سلطة خارجيّة: أصبحوا أسياد مصيرهم، أسياد السرعة، وقريباً أسياد الفضاء. وكانوا يتمتّعون بثقة ثابتة بالنفس. خلال تلك الفترة التي منحها عالم الاقتصاد الفرنسي جان فوراستيي اسم Les TrenteGlorieuses (الثلاثينات المجيدة)* والتي بدأت بالتزامن مع انتهاء الحرب العالميّة الثانية وانتهت مع أزمة النفط في عام 1973، شهدت أوروبا نموّاً اقتصادياً قوياً أدّى إلى عمالة كاملة، ممّا أفضى بطبيعة الحال إلى زيادة القدرة الشرائيّة والاستهلاك العام.

 

خلال هذه الأعوام، دخل الناس مستقبلاً تخيّلوه مفرط التقنيّات وتصوّروه بالتالي سعيداً، لأنّ ما من أحد توقّع في ذلك الوقت درجة تناقض بزوغ فجر التكنولوجيا. سافر البشر إلى الفضاء، وتمكّنت السيارات من الطيران، وحصلت النساء على روبوتات لمساعدتهنّ في الأعمال المنزليّة، وكان الجميع سعيداً. ولم يعد للساعة اليدويّة التعبئة مكاناً في هذا العالم. من جهة أخرى، جسّدت الساعة الذاتيّة التعبئة سحر الحداثة.

 

وفي عام 1962، تجذّرت لدى Zenith فكرة إطلاق كرونوغراف أوتوماتيكي احتفالاً بالذكرى المئويّة لدار صناعة الساعات. لم يتوافر أيّ كرونوغراف أوتوماتيكي في السوق في ذلك الوقت، وكان بالتالي سابقة. ومع ذلك، كان من غير الوارد أن تختار الدار الطريق السهل واعتماد عيار سابق والاكتفاء بإضافة وحدة زائدة: بل أرادت Zenith أن تستخدم درايتها في مجال الأبحاث والتطوير. لم يرغب “صانعوا El Primero” أن يقوموا بالتعديل، بل أن يُعيدوا التفكير.

 

فقرّرت إدارة Zenith بين 1966 و1967 أن تقوم بتطوير نظام حركة عالي التردد يتأرجح بمعدّل 36 ألف ذبذبة في الساعة. وكان قسم Zenith Chronometry Department للكرونوغرافات الذي أعدّ القطع المشاركة في مسابقات مرصد الكرونوغرافات، مسؤولاً عن هذه الأبحاث. وتواءم موضوع التردد العالي بشكلٍ واضح مع تلك الحقبة، إذ ارتبط بفكرة الدقة وغالباً ما تمّت مناقشته في مؤتمرات جمعيّات الكرونوغرافات، خاصّةً مع الجمعيّة السويسريةSwiss Chronometry Society. تمحورالتحدي الذي فرضته دار تصنيع الساعات على نفسها حول ابتكار أوّل عيار كرونوغراف أوتوماتيكي مدمج فائق الرقة وعالي التردّد، ينبض بمعدل 36 ألف ذبذبة في الساعة ويتمكّن بالتالي من قياس عُشر الثانية.

 

مع تصميم El Primero، أعادت Zenithتصميمالبنية الكاملة للكرونوغراف وطريقة تصنيعه. وشكّل نظام الحركة هذا بداية وسائل تصنيع ابتكاريّة بالكامل. قبل ذلك، كان صانعو الساعات يعتمدون على جامعينللكرونوغراف كانوايحصلون على المكوّناتالمختلفة لنظام الحركة وكانعملهميتمحور حول صقلها قبل تجميع الكرونوغراف. ويعود ذلك إلى كَون أدوات الضغط المستعملة في ذلك الوقت تشمل بعض درجات التحمّل، وتوجب بالتالي تصحيحها. يفسّر كريستيان جوبان الذي كان مسؤولاً عن التجميع في ذلك الوقت قائلاً: “كنّا نحصل على المستلزمات الأساسيّة، ونقوم بجمعها وضبط كافة الوظائف من خلال رصفها، ممّا كان يعني إنهاء العمل على الكرونوغراف”.كان نظامEl Primeroمصمّم منذ البداية ليتمكّن صانعو الساعات من العمل بطريقة عصريّة: كانت المكابس أكثر دقة وجعلت ممكناً خفض درجات التحمّل إلى أدنى مستوياتها من أجل إنتاج قطع جاهزة للتجميع ضمن سلاسل. ويعلّق أحد صانعي El Primero قائلاً: “مع نظام الحركةEl Primero، حصلنا على القطع وقمنا بتجميعها وكان العمل جيداً”. وشكّلت هذه الساعة تغيّر نموذجي فعلي.

 

لماذا أرادت Zenith تطوير نظام حركة عالي التردّد؟ يقول شاهد من فترة الستّينات في هذا السياق: “في ستّينات القرن الماضي، بدأ الجميع يهتمّبالأنظمة ذات تردّد عالي، لذلك أعتقد أنّه توجّب علينا استهداف الصدارة إذا أردنا أن نطلق شيئاً جديداً”. ويقوم التردد العالي أيضاً بتعزيز الدقة: عند 36 ألف ذبذبة في الساعة، وعُشرة في الثانية، يُحتمل أن تتمتّع الصدمات المحتملة بتأثير أكثر انخفاضاً على نظام حركة الساعة. كان هذا التردّد مرتفعاً، واستخدمت Zenith علاجاً خاصّاً للسطح بمادة ثانيكبريتالموليبدنوم لتفادي التآكل المبكر لبعض المقوّمات. سبق أن تمّ استخدام تقنيّة علاج السطح هذه في صناعات ميكانيكيّة أخرى لكن ليس في مجال صناعة الساعات، وهي طبقة سطحيّة تُطبّق على منصّة عجلة التحريك التي توزّع الطاقة على عجلة الموازنة وتحسّن معامل الاحتكاك عند الانزلاق

 

تمّ تطوير نظام الحركةEl Primero ضمن بيئة شديدة التنافسيّة. وكانت الكثير من شركات صناعة الساعات بما في ذلك Zenith-Movado، وSeiko، ومجموعة Chronomatic group المؤلفة من علامات Hamilton-Buren، وBreitling، وHeuer، وDubois Dépraz، تتسابق لإطلاق أوّل كرونوغراف ذاتيّ التعبئة… يذكر مارك ريثليسبيرجر الذي كان جزءاً من فريق التسويق في تلك الفترة قائلاً: “أردنا أن يكون كرونوغراف Zenith أوّل كرونوغراف أوتوماتيكي يتمّ إطلاقه في السوق، لكنّنا علمنا أنّ العلامات اليابانيّة والسويسريّة دخلت السباق. جرى كلّ شيء خلال بضعة أشهر، وقامت كافة العلامات بإطلاق عملها خلال العام نفسه تقريباً.”

 

وكانت Zenith بالتالي أوّل مصنّع يطلق علناً كرونوغرافه الأوتوماتيكي الخاصّ. وفي 10 يناير 1969، وتحديداً خلال مؤتمر صحافي في لو لوكل، أعلنت عن ولادة El Primero الذي حافظ على 36 ألف ذبذبة في الساعة. وحمل البيان الصحافي عنوان ” Zenith وMovado تطلقان أوّل كرونوغراف أوتوماتيكي عالي التردد في العالم في 10 يناير 1969″. وتمّ إطلاق نظام الحركة باسم MZM Holding، Mondia Zenith Movado، وهو تحالف تمّ تأسيسه في أواخر ستينات القرن الماضي. وبفضل التردد العالي في El Primero، أصبحت الموازنة قادرة على تقسيم الثانية إلى عشرة أجزاء متساوية، ما يسمح لعقرب الثواني الكبير بعرض عُشر الثانية.

 

واستطرد البيان الصحافي: “لقد قام مصنع ساعة Zenith S.A. في لو لوكل بتحقيق أداء استثنائي عبر دمج ساعتَين بدقة عالية ضمن واحدة”. (…) وكتبت الصحيفة الإقليميّة Express في 10 يناير 1969: “إنّ الإنجاز الآخر هو أنّ الآليّتَين تتواجدان ضمن حجم أصغر من الكرونوغراف التقليدي”. وأعلن البيان الصحافي أنّ El Primero يُعدّ “أوّل كرونوغراف أوتوماتيكي عالي التردد في العالم”. “لغاية اليوم، لم ينجح أيّ باحث في توحيد آليّة الكرونوغراف مع آليّة نظام حركة أوتوماتيكي ضمن الساعة نفسها. ولم تنجح Zenith وMovado في هذا الإنجاز الاستثنائي فحسب، بل تمكّنتا أيضاً من استيعاب الآليّة الكاملة للكرونوغراف الأوتوماتيكي مع التاريخ ضمن مساحة أصغر من اللازم في الكرونوغراف التقليدي. وتبلغ سماكة نظام الحركة حوالي 6،50 ملم، وتتميّز بأداء ملفت بالفعل”.ولنقل التحدي خطوة إلى الأمام، قدّم صانعو الساعات طرازَين مختلفتَين للعيار منذ البداية: إصدار”كلاسيكيّ” مع تقويم بسيط، وآخر مع وظائف إضافيّة للأسبوع والشهر ومراحل القمر.

 

لماذا تمّ إطلاق اسم “El Primero” على العيار؟ لقد تمّ التفكير بجديّة حول الاسم في الخريف السابق، قبل الإطلاق بقليل. وكانت إدارة Zenith قد علمت بحلول ذلك الوقت أنّ مصنعها الذي يتّخذ من لو لوكل مقرّاً له سيربح السباق وسيكون الأوّل لإطلاق الكرونوغراف الأوتوماتيكي. لكن ما هو الاسم المناسب؟ بعد بضع جلسات من العصف الذهني، تمّ اختيار اسم “El Primero”. يعني هذا الاسم “الأوّل” باللغة الإسبانيّة، وإنّها كلمة متناغمة تتمتّع بإيقاع ديناميكي يتردّد صداه جيداً في كافة اللغات ويسهل فهمه. فتمّ اختيار اسم El Primero.

 

اليوم، تتركّز التحديات الكبيرة التي يواجهها الإنسان بشكلٍ رئيسي حول حماية الكوكب والإنسان. إنّنا نعيش في نمط البقاء، في حين كانت الحقبة التي تمّ فيها إطلاق El Primero فترة توسّع: كنّا نريد أن نستكشف عوالم أخرى، أن نستعمر الفضاء والكواكب. وتمّ إطلاق فيلم 2001 Space Odyssey لستانلي كوبريك قبل عام واحد من إطلاق El Primero في عام 1968. وشارك ستانلي كوبريك بكتابة السيناريو إلى جانب آرثر سي كلارك، الذي سبق له أن كتب رواية The Sentinel عام 1948 التي شكّلت إلهام الفيلم. ونشأ أوّل كرونوغراف أوتوماتيكي عالي التردد وفائق الرقة في هذا السياق. ويُعدّ الأشخاص الذين اختاروا أن يرتدوا El Primero جزءاً كاملاً من هذه الحقبة، ومن هذا العالم التقني الذي يرسل الناس إلى القمر. وفي 21 يوليو 1969، شاهدوا من خلال شاشات التلفزيون باللونَين الأبيض والأسود هبوط “أبولو 11” على القمر، والخطوات الأولى لنيل أرمسترونغ على القمر. وبعد بضعة أشهر من الإنجاز، وتحديداً في أكتوبر 1969، تمكّنوا أخيراً من تحقيق إنجاز أكثر يسراً: كرونوغراف El Primero، عندما أصبح متوافراً للعامة. لقد عشنا في عالم تتحكّم به التقنيّات الميكانيكيّة، لكن ساهم قياس عُشر الثانية بإطلاق عالم جديد حيث تسود التقنيّات الإلكترونيّة.

وصرّح بيان صحافي لدار Zenith في 10 يناير 1969 بما يلي: “في الأسواق الأساسيّة في العالم حيث تصبح المنافسة شرسة بشكلٍ متزايد، تنعكس جدارة هذا الابتكار الاستثنائي بشكلٍ إيجابي على قطاع الساعات السويسريّة بالإجمال.” وتمّ عرض El Primero بشكلٍ علني خلال معرض بازل في عام 1969. وتمّ عرض العيار 11 من مجموعة Chronomatic إلى الصحافة في 3 مارس 1969، وقامت Seikoبإطلاق أوّل كرونوغراف أوتوماتيكي في مايو 1969، لكن لم تتخطّ أيّ منها El Primeroعلى صعيد الوعي الجماعي. ويُعدّ من دون أدنى شكّ أحد أنظمة الحركة الوحيدة التي يشتهر اسمها حول العالم.

 

*جان فوراستيي، Les TrenteGlorieusesou la revolution invisibl de 1946 à 1975e، تمّ النشر في Fayard في عام 1979.

 

 

1970 – 1979

 

 

الفصل 2: السرّ الكبير

يقضيفهم مصير نظام الحركة El Primero خلال السبعينات بذل جهد لاستذكار تاريخ قبل 11 عام من نشأته.

 

في عام 1958، تمّ تعيين جيرارد باور رئيساًلاتّحاد قطاع الساعات السويسريّة. وفي حين لم تكن خلفيّته في قطاع الساعات، إلاّ أنه كان لديهالرؤية أنّ الأجهزة الإلكترونيّة التي بدأ تطويرها في عام 1948 في الولايات المتحدة الأمريكيّة، ستلعب دوراً مصيريّاً في عالم صناعة الساعات. فنجح بالتالي في إقناع صانعي الساعات السويسريّة بتوحيد القوى وابتكار Centre ElectroniqueHorloger، وهو العام نفسه الذي قامت فيه العلامة الأمريكيّة Bulova بإطلاق Accutron، أوّل ساعة إلكترونيّة مجهّزة بشوكة رنانة مهتزة بمعدل 360 هرتز وتشكّل هيكلاً تنظيميّاً. وتمّ إنشاء المركز في 20 يناير 1962 وترأسه روجر ولينجر من شركةGeneral Electrics.

 

تمّ إجراء الأبحاث حول مادة كوارتز في ظلّ السريّة الأكثر صرامة، وتمّ استكمال المشروع الذي يحمل اسم “Beta” في أغسطس 1967. وفي شهر نوفمبر من العام نفسه، شاركت عشرة طرازات “Beta 2” في مسابقة Chronometer Competition التي عقدها مرصدNeuchâtel Observatory، وفازتبالمراكز العشرة الأولى متقدّمة على طرازات Seiko. وتمكّنت الشركة اليابانيّة مع ذلك من التفوّق على الشركة السويسريّة عبر إطلاق Astron-35 SQ، أوّل ساعة كوارتز، في ميلاد عام 1969 بعد بضعة أعوام من إطلاق كرونوغراف El Primero. وفي عام 1970، قامت 16 علامة سويسريّة بتشكيل تحالف لساعات الكوارتز في السوق المجهزة بنظام الحركة Beta 21. وشكّلت Zenith جزءاً من المغامرة. وانضمّ الأمريكيّون بسرعة إلى السويسريّين –Motorola، وTexas Instruments، وNational Semiconductor– لكن لم تلحق أيّ منها بالصانعتَين اليابانيّتَين Seiko وCitizen.

 

ما كان مستقبل El Primero ضمن هذا السياق؟ نبع أكبر خطر على El Primero من الداخل، إذ تمّ في 28 مايو 1971 بيع الشركة إلى Zenith Radio Corporation، التي كانت في البداية مصنّعة لأجهزة الراديو ثم أجهزة التلفزيون وتتّخذ من شيكاغو مقرّاً لها. وتمّ حلّ الشركة القابضة MZM (Mondia Zenith Movado)، وأُطلق عليها عند انتهاء الاجتماع العامّ في 21 يونيو 1972 اسم Zenith Time SA. ومنذ تلك اللحظة، أصبح مستقبل Zenith بالكامل بين أيدي المدراء الأمريكيّين.

 

خلال تلك الفترة، تمّ إدراج نظام الحركة El Primero في كتالوجات المصنّع لكنّ ذلك لا يعني أنّه تمّ بيعه بشكلٍ جيّد. كانت يتنافس مع آليّات الكوارتز، وانخفض بيع الكرونوغراف الأوتوماتيكي. ونتيجةً لذلك، برزت ساعات Zenith مع نظام حركة El Primero، مع علب كبيرة الحجم تشبه تلك المجهزة بعيار Beta 21. وكانت أنظمة حركة الكوارتز الأولى كبيرة الحجم وتوجب إدخالها في علب كبيرة، بالتزامن مع محاولة إخفاء شكلها عن طريق التصميم. استوحتZenith من علبة ساعات إلكترونيّة، ووجدت استجابة مناسبة.

 

ففي النهاية، مشى الإنسان على القمر! كم سيتطلب إطلاق أوّل مهمة إلى المريخ، حسب وعد كاتب الخيال العلمي روبرت إيه هينلين في كتابه Stranger in a Strange Land الذي تمّ نشره في عام 1961؟

 

وتحدّى تصميم هذا الوقت الخصائص الجماليّة الوظيفيّة التي سادت في العقود السابقة. خلال سبعينات القرن الماضي، لم يعد الشكل بالضرورة يتبع الأداء. ويفسّر ذلك لماذا تتمتّع هذه الساعات المجهزة بنظام حركة El Primeroالذي بقي حجمه ثابتاً، بعلبة أكبر من المحرّك المتواجد في داخلها. يُعدّ شكلها مستقبلي وفضائي. وكتبت ألكساندرا ميدال في Introduction à l’histoired’une discipline: “لقد تأثرت متانة قوانين الفيزياء، وثبات الإنجازات الأبديّة والأصيلة التي شكّلت نقطة الارتكاز لتوحيد المجتمع العصريّ، عبر إيديولوجيات ثقافة البوب الجديدة.” وشهدت سبعينات القرن الماضي بروز “تصميم البوب” الذي شجعه نشوء تقنيّات جديدة سمحت بابتكار أشكال ممكنة أخرى. بدأنا نرى ظهور الأشكال المستديرة والسميكة، مثل علبة El Primero التي تحمل الرقم المرجعي AH 781 بشكلٍ خاصّ، يتبعها عن كثب تصميم علبة El Primero مع تصميم غير اعتيادي يذكّر بشاشات التلفزيون. وتجدر الإشارة أنّه خلال تلك الفترة، كانت أهميّة دور التلفزيون تتزايد في المنزل: عندما تمّ إطلاق El Primero، توافرت قناة واحدة فقط كانت تبثّ باللونَين الأسود والأبيض. وبدأنا خلال السبعينات بمشاهدة التلفزيون الملوّن، الذي شكّل انفتاحاً على العالم الخارجي الذي نشاهده من غرفة معيشتنا. إنّها طريقة جديدة لغزو العالم.

 

شكّل عام 1974 بداية إنجاز ثوري كامل: بدأت Zenith بإبطاء إنتاجها ولم تعد توجد أيّة تصاميم جديدة من El Primero ضمن كتالوجات تلك الفترة. لم تعد الإدارة الأمريكيّة تؤمن بمستقبل صناعة الساعات الميكانيكيّة، لكنّها آمنت بالكوارتز. في عام 1975، وفي خضمّ الأزمة التي عانى منها قطاع صناعة الساعات، قرّروا التوقف عن إنتاج أنظمة الحركة الميكانيكيّة، ثمّ فرضوا في عام 1976 إعادة تصنيع نظام الحركة للتخلّص من مخزون الأدوات والمعدّات. تمّ بيع El Primero بأسعار زهيدة، وفُرضت تعليمات لرفض كلّ شيء يُمكن استعادته. هنا وصل الرجل الذي أنقذ نظام حركة El Primero، ومعه مصنع Zenith. وكان اسم هذا الرجل تشارلز فيرمونت.

 

كان تشارلز فيرمونت مسؤولاً عن المشغل 4، وعلى الرغم من الأزمة وانخفاض الوظائف في قطاع صناعة الساعات، بقي مؤمناً بمستقبل صناعة الساعات الميكانيكيّة. كان مؤمناً كثيراً بذلك لدرجة أنّه قرّر أن يكتب إلى الإدارة الأمريكيّة لإقناعها بتغيير رأيها. وكتب في هذا السياق: “لست ضدّ التطوّر، لكن أريد أن أشير أنّه غالباً ما يشهد العالم دورات مختلفة. إنّكم مخطئون لاعتقادكم بأنّ الكرونوغراف الميكانيكي الأوتوماتيكي سيموت بالكامل. وإنّني مقتنع أنّ شركتكم ستستفيد يوماً ما من النزوات والصيحات التي لطالما عرفها العالم.” وطلب الموافقة على الاحتفاظ بمشغل صغير مع المحافظة على كافة الأدوات اللازمة لتصنيع El Primero. لكن لم يحصل طلبه على أيّ جواب.

 

وبعكس التوقعات وبخلاف أوامر الإدارة، قرّر المسؤول عن المشغل 4 أن يحتفظ بالأدوات اللازمة لتصنيع El Primero بسريّة كبيرة. دفعه خوفٌ أكبر بكثير من خوف خسارة موقعه، وأراد أن يتفادى اختفاء الخبرة الفريدة في مجال صناعة الساعات مهما كان الثمن. وحصل على المساعدة في هذه المهمّة من شقيقه الكبير موريس فيرمونت، أحد موظفيZenith مسؤول عن تصنيع المكابس. وتمحورت الخطوة الأولى حول إيجاد مكان آمن لتخزين ما اعتبره تشارلز فيرمونت كنزاً: كافة المكابس، وأسطوانات نقل الحركة، ومخططات العمل، وأدوات القصّ، ومخططات التصنيع اللازمة لإنتاج نظام الحركة El Primero. تألّفت مصانع Zenith من 18 مبنى، وكان واحد منها فقط غير متّصل بالمباني الأخرى، فشكّل الخيار المثالي.

 

ولأنّ تشارلز فيرمون خالف أوامر تسلسليّة، كان من الضروري عدم الكشف عنه خلال عمليّة الإنقاذ. واحتاج بالتالي إلى تمرير الأدوات عبر ممرات مهجورة خلف المبنى، والعمل في الليل، مما يشكّل أمراً غير ممكن اليوم بسبب الأنظمة الأمنيّة الحديثة. وفي ذلك الوقت، توافرت بالفعل ساعات عمل كثيرة، لكنّ تشارلز فيرمونت كان يمتلك مفتاحاً للمصنع. كان مدير مشغل واستفاد بالتالي من الثقة المرتبطة بمسؤوليّاته.

 

اليوم، يمكننا أن نتخيّل بسهولة الجهود التي بذلها هذا الرجل لصعود 52 درجة تؤدي إلى العليّة وهو يحمل الأدوات الثمينة. ويمكننا أن نتخيّل خوفه من اكتشافه. غير أنّ تشارلز فيرمونت حارب من أجل أفكاره، وراهن على المستقبل، وكان جاهزاً للمراهنة بحاضره: منحه ذلك القوة والشجاعة. وبالمجمل، تمكّن من إنقاذ حوالي 150 مكبس بالإضافة إلى الكثير من الأدوات الصغيرة وأسطوانات نقل الحركة. وكان من المستحيل تصنيع El Primero من دون هذه المكابس. وبالفعل، تمّ تصميم الأدوات بشكلٍ خاصّ لنظام الحركة هذا، وشكّلت هذه الأدوات أيضاً جزءاً من أسرار المهنة.

 

إنّ أمد حياة المكبس طويل بقدر المقوّم: بين 20 إلى 30 عام في حال الحفاظ عليها. كانت قيمة المكبس تبلغ حوالي 40 ألف فرنك في ذلك الوقت. وفي حال رمي هذه الأدوات كما أمره الأمريكيّون، ولو ضاعت هذه المعرفة التقنيّة، كان الاستثمار اللازم لإعادة تصنيع كافة القطع التي خبأها تشارلز فيرمونت ليبلغ سبعة ملايين فرنك. إلاّ أن لم يكن أحد ليستثمر هذا المبلغ من أجل إعادة إحياء إنتاج نظام حركة، ولم تكن Zenith لتدوم لغاية اليوم.

 

بعد تخزين كافة الأدوات، قام تشارلز فيرمونت ببناء جدار لهذا الجزء من العليّة ليضمن عدم اكتشاف سرّها. كان ملتزماً بالكامل بدوره من دون مراعاة اعتبارات سلاماته الخاصّة، وآمن بثبات بمستقبل El Primero، حتّى لو كان هذا المستقبل ليُكتَب من دونه.

 

وبحلول عام 1976، لم تعد Zenith أكثر من ظلّ الدار السابقة لصناعة الساعات. انخفض عدد الموظفين وتمّ تجهيز الساعات التي أنتجتها المشاغل بأنظمة حركة ETA أو Citizen من الكوارتز. وتمّ أيضاً تصنيع أنظمة الحركة الميكانيكيّة النادرة من ETA. لم تعد الشركة مربحة وأراد الأمريكيّون التخلّص منها. وفي عام 1978، قامت Zenith Radio Corporation ببيع Zenith Watches SA إلى تحالف من ثلاثة مصنّعين سويسريّين للساعات، من ضمنها بول كاستيلا، مالك شركة Dixi المتخصّصة في قطاع أدوات الآلات وصناعة الساعات. كان بول كاستيلا شخصيّة أسطوريّة في لو لوكل، شديد الإنسانيّة وملتزم بالحفاظ على الوظائف في هذه المنطقة المتضررة. لم يتمّ إنقاذ Zenith بعد، لكنّها أصبحت أخيراً تحت إشراف رجل يعرف القطاع ويحبه. وكان هدفه إنقاذ مصنع ينتمي إلى القطاع الصناعي السويسري وإلى إرث صناعة الساعات السويسريّة.

الفصل 3:

 

الولادة من جديد

إنّ قصّة وإعادة لادة El Primero جميلة جداً لدرجة الاعتقاد بأنّها غير حقيقيّة. تشكّل مادة للأساطير مع كافة المكوّنات اللازمة: الشدائد، العدالة، الحقّ، عصيان الأوامر، بالإضافة إلى بطل ونهاية سعيدة ونفحة من السحر.

في العام 1976 عندما اتّخذ تشارلز فيرمونت قرار إخفاء الأدوات اللازمة لتصنيع عيار El Primero، برهن هذا المسؤول عن المشغل 4 عن شجاعة ورؤية استثنائيّتَين. وكشف إلى قناة التلفزيون السويسريّة المحليّة RTS في عام 1991 ما يلي: “كنت مستعداً للمراهنة بحياتي لإيماني بأنّ إنتاج هذا الكرونوغراف سينطلق من جديد في يومٍ من الأيام.” تدركون قوّة حدسه ويقينه عندما تزورون العليّة الشهيرة التي بقيت على حالها الأصليّة. وتُعدّ غالبيّة القطع التي تتواجد على الرفوف عيارات تاريخيّة. وإذا لاحظتم اختفاء المكابس التي أخفاها ويبلغ عددها 150، فاعلموا أنّها في يومٍ من الأيام وبعد عشرة أعوام من النسيان، تمكّنت من الخروج من مخبئها وإيجاد مكانها في العلن.

 

بعد الاستحواذ على Zenith في عام 1978 من قِبل Dixi، تمّ إنقاذها على الرغم من تغيّر طبيعتها: أصبحت الشركة أيضاً مزوّدة لأنظمة الحركة لبعض العلامات الكبرى. ولعبت اثنتان منهما دوراً مصيريّاً في ولادة المصنع من جديد: Ebel وRolex. وعلى الرغم من السباق إلى كرونوغرافات الكوارتز وعلى الرغم من وجود Swatch الشهيرة في تلك الفترة، أراد بيار-ألان بلوم، مدير شركةEbel، أن يحصل على كرونوغراف أوتوماتيكي بنظام حركة نموذجي ضمن كتالوج عام 1981. فقام بشراء بعض مخزون Zenith من عيارات El Primero. لكن لم تكن هذه الخطوة كافية لتخاطر Zenith بإعادة بدء إنتاج هذا العيار. مَن كان ليظنّ أنّ هذا الهوس سيدوم؟

 

هنا يأتي دور Rolex في القصّة. كانت العلامة التي حصلت على التاج كشعار لها مقتنعة بالاهتمام المتجدد بالكرونوغرافات الأوتوماتيكيّة. أرادت أن تحدّث طراز Daytona وأن تجهّزه بعيار El Primero. وكان نظام الحركة هذا موثوقاً، وعلى ما يبدو أفضل عيار كرونوغراف أوتوماتيكي في السوق، ما توافق بشكلٍ مثالي مع وجه الساعة التي تميّزت بعدادات عند مواقع الساعة 3 و6 و9. وإذا كان التردد العالي يطرح مشكلة، يُمكن ببساطة خفضه إلى 4 هرتز، مما يتوافق مع حركة 28،800 ذبذبة التي تعتمدها Rolex بالعادة. وبدأت التفاوضات مع Zenith.

 

لكن اجهت هذه العمليّة مشكلة، إذ كانت Rolex بحاجة إلى “محرّك” موثوق بكميات كبيرة، لكن كان هذا في عام 1984 عندما كان سعر المكبس يبلغ حوالي 40 ألف فرنك سويسري، وعندما كان تصنيع El Primero يحتاج إلى أكثر من 150 فرنك، ما كان يعني حوالي سبعة ملايين فرنك تقريباً. لم تكن Zenith قادرة على استثمار هذه الكميّة من المال. هنا تمّ تذكّر المقاومة التي أجراها تشارلز فيرمونت. فخلال عمليّة الإنقاذ التي أجراها، سخر منه بعض زملائه ومن تعلّقه بنظام الحركة هذا، وبماضي صناعة الساعات الخاصّ بالعلامة. وكان الوقت قد حان للاعتراف أنّ هذه الخطوة أنقذت الوضع والكثير بالإضافة إليه…

 

لجأ المهندسون بعد ذلك إلى “المخلص” وطبلوا منه إخراج كافة الأدوات. وأحسّ هذا البطل العنيد والمتحفظ بشعور غامر: لقد تحقّق فجأة كلّ شيء كان قد حلم به. كان قد وسم كافة المكابس وكافة الأدوات، واحتفظ وأرشف كافة الملفات والإرشادات المفيدة للبدء من جديد. وقال جان-بيار جيربير، المدير التقني في ذلك الوقت: “سمح لنا عمل تنظيم الملفات والأرشفة الذي أجراه السيّد فيرمونت بأن نعمل بسرعة كافية لإعادة بدء الإنتاج.”

تمّاستئناف إنتاج عيار El Primero بفضل تشارلز فيرمونت الذي حصل على كرونوغراف El Primero كجائزة مقابل مبادرته، بالإضافة إلى دعوة إلى “عشاء فاخر” ورحلة مميّزة. وتمّ نتيجة لذلك توقيع عقد لمدة عشرة أعوام مع Rolex. وتمّ تسليم أولى أنظمة الحركة في عام 1988 وتمّ تقديم أولى ساعات Daytona المجهزة بنظام حركة من Zenith خلال معرض بازل في العام نفسه.

 

بالإضافة إلى ذلك، قامت الرياح المؤاتية التي استفادت منها دار صناعة الساعات بمنحها رغبة الذهاب ما وراء البحار. وبالتزامن مع الشحنات الأولى من Rolex، أعادت Zenith إطلاق الإنتاج لتجهيز طرازاتها وكرونوغرافاتها الخاصّة مع عيارها من صنع الدار، مما جعلها تستعيد بالكامل مكانتها كصانعة ساعات.

 

لكن لم تكن المهارة كافية؛ توجّب الإعلام بهذه الواقعة واحتاج الإنتاج إلى إيجاد شراة. في عام 1920، استحقّت Zenith اسمها وباعت ساعات حول العالم، لكنّ الأزمة وضعتها في طيّ النسيان… وكان تمكين مصنع الساعات من استعادة موقعه في قطاع صناعة الساعات السويسريّة يعني إعادة بناء صورة العلامة بالكامل وضمان استمراريّتها من خلال تصاميم قويّة وجديدة للتحضير لعودتها إلى الأضواء.

تشارلز فيرمونت

الفصل 4:

 

الكشف عن نظام الحركة

أعادت Zenith إطلاق نظام الحركة El Primero بعد توقيع العقد مع Rolex، لكن كان قد حان الوقت لتستعيد دار صناعة الساعات رونقها ولتحتضن مهارتها بالكامل من خلال إعادة إطلاق ساعات مجهزة بنظام الحركة الشهير والخارق مع حمل اسم Zenith في مينائها.

بدأ ذلك مع طرازات كرونوغراف جديدة لدعم المجموعات الرئيسيّة للشركة: Academy وCosmopolitan. وللمرّة الأولى، كشف مصنع الساعات على ظهر طرازاتها عن العيار الذي شكّل مصدر فخره.

 

وأتت بعد ذلك مجموعة مخصّصة بالكامل إلى الكرونوغرافات: مجموعة De Luca التي تمّ إطلاقها في عام 1988. وتمّ استيحاء طرازاتها من الرموز الجماليّة الناجحة للوقت، وهي تستذكر تصميم Daytona، الذي تمّ إطلاق أولى طرازاتها المجهزة بنظام الحركة El Primero في معرض بازل. ودخلت Zenith التسعينات مع De Luca.

 

في العام 1991، بعد عام واحد من عيده الـ125،اختار المصنع الاحتفال بالعيد الـ700 للاتحاد السويسري من خلال طرازَين حصريّين مجهزَين بإصدارَين عن El Primero الذي أعيد إطلاقه: كرونومتر-كرونوغراف مع عرض بسيط للتاريخ، ومتوافر ضمن إصدار محدود من 900 قطعة؛ وكرونومتر-كرونوغراف مع عرض لليوم والشهر ومراحل القمر، ضمن إصدار من 250 قطعة، في علبة من الذهب الأصفر. وشكّل الكتالوج المرافق لهذَين لطرازَين تذكيراً لأيّ شخص قد نسي نظام الحركة الأسطوري هذا حيث لخّص الخصائص ضمن بضعة جمل رئيسيّة: “El Primero، أوّل نظام حركة كرونوغراف أوتوماتيكي في العالم والوحيد ضمن فئته لقياس فترات قصيرة تقارب عُشر الثانية. يضمّEl Primero الأسطوري كامل معرفة زمنه.” كان المصنعواثقاً بجودة نظام حركته وقدّم كفالة خمسة أعوام لشراة الساعات.

 

وتمّ إبراز الظهور الأول لنظام الحركة El Primero من خلال ظهر العلبة المصنوع من الصفير، والذي بقي خجولاً خلال الثمانينات، خلال التسعيانات مع مجموعة ChronoMaster الأفخم التي تباهت بنظام حركتها من خلال الظهر الشفاف للطرازات الواردة في الكتالوج. ومنذ ذلك الوقت، تمحورت الفكرة حول إبراز الفنّ في مجال صناعة الساعات وليس فقط المعرفة الصناعيّة، وقامت Zenith بابتكار ساعة تتميّز بتصميم كلاسيكي، ومستوحاة من عدادات الكرونومتر للجيب في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وكان الهدف ابتكار ساعة توارتيّة بالفعل.

 

ويُمكن أيضاً تفسير هذه العودة إلى الطابع الكلاسيكي في سياق تاريخي. تميّزت التسعينات بأحداث بارزة. وكانت الحروب في يوغوسلافيا السابقة ومذبحة التوتسي في رواندا أشبه بخطوة إلى الخلف على صعيد الوقت، عودةً إلى أحلك أعوام الإنسانيّة. ومن جهة أخرى، شكّلت نهاية حركة الأبارتايد في جنوب أفريقيا ووصول نلسون مانديلا إلى الحكم، وسقوط الحلف السوفياتي الذي أدى إلى انتهاء الحرب الباردة، آفاقاً لعالمتمنى الجميع أن يكون أفضل. لم يكن أحد بالتالي ليتخيّل ماذا سيقدّم المستقبل في عالم متغيّر ومتقلب، وعادةً ما نلجأ إلى القيَم الثابتة والتي تمنح الطمأنينة. من هنا يبرز الطابع الأبدي لهذه الطرازات.

 

ساعدت ChronoMaster على استعادة موقع El Primero. وتبيّن الإعلانات المخصّصة لها في عام 1997 يد رجل موضوعة على بطن امرأة حامل، وترفق مع الكلمات التالية: “عند ارتداء ساعة Zenith، ستعمل للأبد – أو حتى أكثر”. وتوحي هذه الرسالة الإعلانيّة القويّة بأنّ هذا الغرض صُنع ليتمّ توارثه عبر الأجيال.

 

وحصل قسم التسويق أيضاً على فكرة رائعة: حفر رقم على العيار يكون ظاهراً من خلال الظهر الصفيري، ويشكّل علامة تعريف. وحصل العملاء الذين اشتروا ChronoMaster على قسيمة تتمّ إعادتها إلى المصنّع وتضمن إدخال الأسماء في سجل مجموعة ChronoMaster. شكّلت هذه الفكرة وسيلة لتعزيز ولاء العملاء وتعلّقهم بالعلامة: أصبحت Zenith “علامة حب” حتى قبل ابتكار الاسم. وأصبح بالإمكان بدء المغامرة من جديد…

 

وتمّ تعزيز هذه المقاربة بشكلٍ إضافي بعد عامَين عندما تمّ تجهيز El Primero– الذي تحسّن بشكلٍ مستمرّ على الرغم من حفاظه على الوظائف نفسها – بوظيفة Flyback المخصّصة لعشاق الطيران والتي أثرت طرازات Rainbow Flyback التي تمّ إطلاقها عام 1997. وتماماً مثل الرسائل الإعلانيّة التي رافقت ChronoMaster، ركّزت إعلانات Flyback على الانتقال: “من الآن وصاعداً، أصبحت تمتلك أكثر من شغف الطيران لتمريره”.

الفصل 5:

 

الاعتراف

عندما قامت LVMH بشراء الشركة في عام 1999، وهو استحواذ أصبح ساري المفعول في عام 2001، اتّخذ تاريخ Zenith وEl Primero اتجاهاً جديداً: مسار تصاعدي سيصل إلى النجوم. ومع نهاية التسعينات، فهمت مجموعات السلع الفاخرة أهميّة تطوير فرع لصناعة الساعات، وأهميّة المراهنة على صناعة الساعات الميكانيكيّة التي تمتّعت باهتمام متجدد من مجموعة كبيرة من عشاقها، وأهميّة شراء علامات تتمتّع بقيمة مضافة عالية.

 

كانت Zenith واحدة من الشركات التي تنضح بالأصول: كانت مصنعاًمتكاملاً يتمتّع بمنشأة تصنيع قادرة على ابتكار أنظمة الحركة الخاصّة بها، وتاريخ عريق، والكثير من أنظمة الحركة الاستثنائيّة تتميّز كلّ منها بأساطيرها، وقدرة تطوّر هائلة بأعين الرواد الجدد. كانت الكثير من المجموعات حريصة على الاستحواذ على مصنع الساعات، لكنّ LVMH هي التي ربحت.

 

أرادت LVMH أن تتوجه نحو السيطرة على العالم مع Zenith، خاصّةً السوق الأمريكيّة. وجدت نفسها مع ذلك تواجه نزاعاً عبر الأطلسي مع أحد المالكين السابقين: Zenith Radio Corporation التي احتفظت بحقوق اسم Zenith على الأراضي الأمريكيّة. وبعد المفاوضات، حصلت المجموعة عل حقّ استعمال العلامة في الولايات المتحدة الأمريكيّة في عام 2001، لقاء الدفع لحقوق استعمال العلامة المرادفة. وأصبح بإمكان Zenith أن تطير.

 

ومن خلال انضمامها إلى مجموعة المنتجات الفاخرة هذه التي كانت ملمّة كثيراً بقواعد التسويق، توجب على Zenith تعلّم كيفيّة اللمعان في الأضواء – كما يليق بمصيرها الجديد – ويبرّر ذلك بالتالي علّة وجود رمزها: النجمة.

 

عند استقرار الإدارة الجديدة في لو لوكل، أصبحت واعية كثيراً للجوهرة التي تمتلكها وقرّرت أن تضع Zenith على رأس مجموعتها. وتمّ إبعاد كلمة “غير ممكن” عن المصنع: سوف تتألّق Zenith في سماء صناعة الساعات مهما كان الثمن.

 

وأصبح نظام الحركة El Primero، الأسطوريّ من قبل، مرغوباً – وحتّى أعلى قيمة. وحصل El Primero في ظلّ رعاية مجموعة LVMH على التعقيدات الساعاتية الأكثر تطوراً: في عام 2004، اعتمد نظام الحركة نظام توربيون لطراز حمل اسم Grande ChronoMaster XXT Tourbillonنتج عن ثلاثة أعوام ونصف من الأبحاث والتطوير. وشكّل أوّل نظام توربيون عالي التردد في السوق. وتبعه التقويم الدائم في Grande ChronoMaster XXT Perpetual Calendar؛ وفي عام 2005 معيد صوتي للدقائق في Class Travelerالذي احتاج تقديم طلبات للحصول على 30 براءة اختراع. وفي النهاية في عام 2007، قامت Zenith بدمج نظام توربيون مع التقويم الدائم ضمن الساعة نفسها في مجموعة Academy. من الواضح عند هذه المرحلة أنّ لا حدود لنظام الحركة El Primero.

بدءاً من العام 2003، تغيّر حجم العيار قليلاً وأصبح بارزاً بشكلٍ متزايد. وبعد إبرازه من خلال ظهر العلبة المصنوع من الكريستال الصفيري، ظهر قلب El Primero من الأمام باتصال مباشر مع صاحبه، ومن خلال تخريم هادف في الميناء. وكلّ مرّة نظر صاحب ساعة El Primero إلى الوقت، رأى قلب هذه الساعة الذي ينبض بمعدل 36 ألف ذبذبة. وحصل الطراز على تسمية ChronoMaster Open واستحقّ اسمه. وتحوّل نظام الحركة إلى نجم بحدّ ذاته.

 

تمّ إطلاق إصدار للنساء في عام 2004. حمل اسم Star Open وكان التخريم بشكل قلب. لا بدّ أنّ Zenith فهمت بوضوح أنّ المرأة خلال الألفيّة الثانية أرادت ساعة قادرة على التعبير عن هويتها وليس ما يتخيّله صانعو الساعات عنها. ولقد حان وقت قيامهنّ بشراء ساعاتهنّ الخاصّة، طراز يبيّن قدرتهنّ الشرائيّة وقوّتهنّ. ومثلما قمنَ بارتداء جينز الرجال، رغبنَ بساعة لا تقلّل من قيمتهنّ عبر قراءة الوقت على ميناء من عرق اللؤلؤ الزهريّ اللون مرصوف بالألماس على الإطار. أردنَ أن يتألّقنَ بطريقة مختلفة. وقامت Zenith بمنحهنّ فرصة تحقيق ذلك في عام 2005 مع إطلاق طراز توربيون مصمّم خصيصاً لهنّ: Starissime.

 

لقد فهمت Zenith بشكلٍ مثالي – أو على الأقلّ شعرت بشكلٍ بديهي –تعقيد العصر الجديد. ابتكر منتدى دافوس كلمة العولمة في عام 1993، وحصلت هذه الكلمة على معناها الفعلي خلال القرن الواحد والعشرين. كنّا قد دخلنا حقبة من المغالاة وفرط عرض الذات نتيجة نشوء ما عُرف باسم “التواصل الاجتماعي”. تمّ ابتكار فيسبوك في فبراير 2004. لم يكن يمتلك بعد القدرة التي حصل عليها خلال العقد التالي، لكن كان بالإمكان الشعور على الرغم من ذلك ببدايات نجاحه وتأثيره على الأفراد والمجموعات حول العالم. استطاع المستخدون أن يشاركوا ما يريدونه “كقبيلة”، وجرى أنّ ما يحبونه هو كلّ شيء خارج عن المألوف ويحيّدهم عن حياتهم الاعتياديّة. وتُعدّ Zenith، هي الناجية والعلامة التي تتجدّد بشكلٍ دائم، “شيء من الأحلام”*.

 

*ويليام شيكسبير، The Tempest، 1610-1611.

الفصل 6:

 

تجاه الدقة اللامتناهية

خلال هذا العقد الذي يشرف على النهاية، نشهد تكاثر الظواهر المتناقضة، التي لا نعرفها بأغلبها. وعندما يأتي وقت فهم مفهوم مرور الوقت، نضطرّ إلى القيام بتعديلات دائمة. لم نقم بأيّ وقتٍ مضى بملء وقتنا بالكثير من المهام والإلهاءات. ومن المفارقات أنّه لم يقم “الحاضر” أبداً باحتكار الأفكار والنقاشات. ويكفي أن ننظر إلى العدد المتزايد لأتباع الكاتب إيكارت تولي، كاتب The Power of Now، لفهم مدى كَون هذا الحاضر الذي نجهله أحد العناصر الأساسيّة من بحثنا عن سعادتنا. يتأرجح أقراننا بين هذين الطرفَين، ويقبلون مكرهين العيش في عالم يحكمه شكل من أشكال الاختلاف الذي يشجّع على التكيّف المفرط الدائم.

واجهت Zenithهذه الرؤية المتعددة السرعات للوقت، وسعت إلى استيعاب هذه الفكرة حول العجلة، لتمنح عملاءها فرصة لمسها بأعينهم ومن أجل “رؤية” الحاضر بكلّ معنى الكلمة. وكان El Primero أوّل نظام حركة أوتوماتيكي قادر على قياس أعشار الثانية. ومع تحقيق عقرب الثواني دورة كاملة على الميناء خلال عشرة ثواني، تمّ إطلاق El Primero Striking 10th في عام 2010، وكان قادراً على عرض أعشار الثواني.

تمّ ابتكار هذه الساعة في حقبة معقدة حيث نركّز على أنفسنا، وحيث نتجمع ضمن قبائل صغيرة نقرّر الانتماء إليها أم لا، قبائل تصبح حتّى مجموعات. وساهم إنستغرام الذي تمّ إطلاقه في عام 2010 مثل El Primero Striking 10th في هذه الظاهرة إلى حدّ كبير. وشجّعت وسيلة التواصل الاجتماعي هذه على ردات الفعل الفوريّة: لا حاجة إلى الكلام، إذ تحتاجون إلى جزء من الثانية للتعبير عن إعجابكم بفضل زرّ “أعجبني”. وتُعدّ El Primero Striking 10th قطعة تلخّص هذا العقد الذي يتمحور حول العجلة وحيث يعاني بعض الناس لإيجاد معنى حياتهم.

 

كان بإمكان المصنع أن يتوقّف هناك في بحثه عن الدقة الفائقة ما لم يدفعه إيمانه بمهارته إلى تخطي حدوده الخاصّة. وفي عام 2017، قامت Zenith بإطلاق Defy El Primero 21 التي تمكّنت من قياس وعرض قيمة ميكانيكيّة صعب الوصول إليها من قبل: جزء من مئة من الثانية. وتحقّق ذلك من خلال “محرّك” يهتزّ بتردد 50 هرتز، أي عشرة مرات أسرع من الساعة الأسطوريّة التي سبقتها. وينبض قلب نظام الحركة بسرعة ملفتة بمعدل 360 ألف ذبذبة في الساعة، ويحقّق عقرب الكرونوغراف المركزي دورة كاملة للميناء خلال ثانية واحدة – وهو إنجاز أدخل الشركة إلى عالم الدقة الفائقة.

 

وفي العام نفسه، قامت Zenith بتقديم Defy Lab المجهزة بمذبذب ثوريّ جديد أحاديّ الكتلة ومصنوع من سيليكون المونوكريستال. حلّ هذا الأخير محلّ نابض التوازن المستخدم في صناعة الساعات الميكانيكيّة منذ ابتكارها في عام 1675 من قبل العالم الهولندي كريستيان هويجنز. مع Defy Lab التي تنبض بتردد 18 هرتز العالي كثيراً، استعادت Zenith منافع أعوام من الدراسات التي أجراها قسم الأبحاث والتطوير ضمن مجموعة LVMH. وكان من الطبيعي أن يتمّ نقل هذه المهارة إلى العلامة التي تحمل رمز نجمة، والتي تشتهر بتحقيق إنجاز قياسي متمثّل بـ2333 جائزة.

 

سيكون مستقبل Zenith جزءاً من هذه المجموعة من الابتكارات التقنيّة التي تتخطّى بشكلٍ دائم حدود الإمكانيّات والدقة الفائقة. وبالفعل، لماذا لا نتخيّل أنّ El Primero ستعرض في يومٍ من الأيام جزء من ألف من الثانية؟

 

لكن في الوقت الحالي، لنعُد إلى الحاضر وإلى نظام الحركة الأسطوري الذي يحتفل بعامه الخمسين هذا العام. خمسون عام، عمر “اللامعقوليّة” عندما يتجدّد المرء للغوص في تحديات جديدة. لا شيء مستحيل عندما نبلغ 50 عام من العمر. ومن أجل الاحتفال بنصف قرن مع El Primero، أعيد تصنيع نظام الحركة الأساسي وتحسينه لتسهيل تجميعه. وحافظ بشكلٍ طبيعيّ على كافة خصائصه الجماليّة والتقنيّة: يبقى نظام حركة مدمج عالي التردد، وتمّ الحفاظ على عرض التاريخ، تماماً مثل القابض الجانبي والأسطوانة الركيزيّة. ويضمّ عدد أقلّ بقليل من المكوّنات بالمقارنة مع الطراز الأصلي، وأضاف المصنعبعض العناصر التي اعتبرها مهمّة، بما في ذلك جهاز وقف الثواني واحتياطي أكبر للطاقة، الذي بلغ في الماضي 50 ساعة بفضل التردد العالي الذي يحتاج الكثير من الطاقة. وتسمح بنيته بمقاربة نموذجية: سينبض خلال أعشار الثانية وسيعرض ذلك في بعض الأحيان ولن يعرضه في أخرى، بالإضافة إلى تقديم وظيفة flyback.

 

إنّ مَن يعملون على نظام الحركة هذا على أساس يوميّ ويعرفون أدقّ تفاصيله، يصفونه بقطعة لها روح. وكشف أحد صانعي الساعات في الدار قائلاً: “يحمل El Primero اسمه جيداً لأنّه الأوّل في كلّ شيء: الأوّل على صعيد الدقة، الأوّل على صعيد النبضات بمعدل 36 ألف ذبذبة. تشعر بحسّ من الاعتزاز عند العمل على نظام الحركة هذا. إنّه ناجح جداً! لقد تمّ إنقاذه، وإعادة إنتاجه، وتحسينه بشكلٍ دائم. وتمّت إضافة الكثير من التعقيدات عليه، إذ تطوّر ونما في حين حافظ على نبله أكثر من أيّ وقت مضى. إنّه أيضاً جميل! إنّ نظام الحركة هذا تاريخي: Zenith هي El Primero، وEl Primero هو Zenith.”